نواطير الأمكنة

هذه المرة الأولى التي أكتب فيها شيئاً فور وصوله إلى تلافيف دماغي،  بخطٍّ عشوائي على دفتر الملاحظات الخاص بعملي، خلال فسحة مفاجئة من الوقت اضطرتني إلى اللجوء لأقرب كافيه /قهوة/ حيث بإمكاني شرب كأس من الشاي وتمضية الدقائق المتبقية بالتأمل الفارغ ريثما تمكنت من متابعة عملي بالتجوال على عيادات الأطباء

في أوقاتٍ كهذه،  دائماً ما تجد ناطوراً للمكان الذي تقصده،  يجلس هذا الكائن البشري /ناطور الأمكنة/ بهدوء تام لدرجة الصخب، يحتسي شراباً دافئاً ويستمتع برفقة أفكاره وانكساراته بخلوة مطلقة

قد يقوم بعدّ البلاط في أرضية المكان،  وقد يفكر في موت أبٍ أو أخٍ أو مثلاً بسببية الوجود وعدمية الحياة..  لا أدري حقاً إلى أي درجة يمكن أن يسرح ناطور الأمكنة بأفكاره

أحياناً تجده وبيده كتاب وأحياناً أخرى تجده يحدث الجدران ويستمع لأغنيات فيروز وعبد الحليم حافظ أو لموسيقى تكاد تبكي لفرط حنينها كتلك التي حرضتني على الكتابة للتوّ

أشعر الآن أن الإشارات الكهربائية في دماغي أسرع بكثير من القلم في يدي.. أحاول قدر الإمكان اللحاق بدماغي والوصول إلى إحساسي بأكبر سرعة ممكنة

لكل مكان في هذه الدنيا نواطيره..  بعض النواطير يخونون المكان وبعضهم يتقنون لغة الوفاء، فترى المكان يذهب ويندثر والناطور يبقى واقفاً على الأطلال الزمانية والمكانيةة،  محتفظاً بكل طقوس انتظاره كشرب الشاي الساخن صباحاً ومحادثة عابري السبيل مساءً

لطالما أفكر..  كيف يعيشون حياتهم الخاصة بعيداً عن الانتظار..  ممّ تتألف ساعات أيامهم وماهي طموحاتهم؟!  بم يحلمون يا ترى وماهي هموهم

النواطير أصدقاء حقيقيون وليسوا مجرد رفقاء..  فهم لا يرافقونك في حياتك لكنهم ينتظرون قدومك في كل وقت وبكل وفاء،  الوفاء أصبح معجوناً بأفئدتهم..  وفاء غير مشروط لكل الناس..  وفاء ل اللاأحد

أجمل حديث يمكنك فتحه مع نواطير الأمكنة هو الصمت

تراه يجلس على مسافة منك صامتاً يقرأ في كتاب ما أو يتأمل وأنت ترد عليه بمشاركته صمته وتأمله،  وكأنكما تتأملان القضية ذاتهاأو تشتمان هذه البلاد وهذه المعيشة في ذات اللحظة ومن ثم تتنهّدان لتقولا أن لعنة الالتصاق بهذه البلاد هي لعنة أبدية

إن حب هذه البلاد كالسهل الممتنع،  وحُبّ نواطير الأمكنة يشبه كأس شايٍ ساخنة تأتيك فجأة في الصباح الباكر في مغتربك، مع كماجةٍ مغمّسة باللبنة ترافقها بضع زيتونات خضراوات

أحب نواطير الأمكنة..  كم هم جميلون

البلوغ – Puberty

 

يكون إدراك الذات في كثير من الأحيان أمراً صعباً وخاصة في المراحل التي نفتقد فيها الصّلح مع ذواتنا وأفكارنا
ألجأُ عادةً في جلستي مع نفسي، لتصّفح بعض الأعمال الفنية ذات اللمسة الخاصة والأثر المحسوس، فتراني أجول من ريشة إلى أخرى مُسقطةً حواسي ورغباتي وتخيّلاتي على عناصر هذه اللوحات وأبطالها، وجاعلةً من ألوانها فسيفساءَ أُشكّلها بنفسي..  كأنني لوهلةٍ ألغي دور الفنان وأجرد اللوحة من خالقها، هكذا ببساطة، أُنكر فضل أنامله وأعطي لنفسي حق التمرد الكامل على معنى هذه اللوحة ومبتغاها
وبينما كنت ألتهم منذ فترة ليست بالقريبة، محتوى موقع الكتروني أفضّله عادة، صادفت لوحة للنّرويجي البديع “إدفارد مونش” تحمل اسم البلوغ،  تجلس في وسط اللوحة فتاة تبدو صغيرة في السن وعارية تماماً، متموضعة على حافة سرير بسيط وشبه مهجور، تتلاقى كلتا يديها في حجرها بخجل واضح، وتجلس مدهوشة مرتبكة، كأنها تحمي نفسها من فجور النضج..  تحمي ما تبقى من براءتها ظانّة أنها قد فقدتها للأبد

لقد رأيت فيها فتياتٍ كثر، فتياتٌ من منطقتنا المتواضعة، يواجهن بوحدة مكبوتة تلك المرحلة العمرّية التي تكبر فيها الهواجس المريبة وتبدأ الأفكار بالنضج والتمرد على صاحبها خارجةً عن المألوف وعن المتوقع، فتتقوقع الفتاة خائفةً من ذاتها، من جسدها، ومن أفكارها.. مرتعبةً من فكرة النضج بحد ذاتها وكأن مرضاً خطيراً قد اصابها وحدها من بين كل قريناتها،  وتضيع في المسافة بين الخجل والخوف، وتصبح مستعدةً لفعل أي شيء يُشعرها بأنها مازالت في بر الأمان
قد يرى البعض أن مونش يركّز هنا على المعنى الجنسي البحت للصورة التشيكيلية، إنما أنا فأرى، وليسمح لي مونش والنقاد وكبار الفنانين بإدلاء رأيي، أنه أراد منها
تصوير البلوغ الفكري الذي يواجه كل أنثى في مرحلة ما من حياتها، مُربكا إياها، ومسببا لها بعض التخبطات والانحرافات الصغيرة عن مسارها الواضح، والذي ستتخذه لاحقاً تبعاً لشخصيتها
يلتمس مونش بلوحة البلوغ أدق التفاصيل الأنثوية، وكأنه في زمنٍ ما كان على هيئة أنثى أو أنه كان قابعاً في صدر أمه أو عشيقته لمدة من الزمن، مستنشقاً هواءها وشاعراً بحالها
هذا الخجل الواضح في اللوحة والمتمثل بمُشابكتها ليديها، ومقاربتها لساقيها بهذا الشكل البريء، يبرز كم للمرأة دور في ممانعة نفسها، في مقاومة تمرّدها وكيانها الأنثوي
يبرز كم يمكن للأنثى أن تكون عدوة نفسها، وبذات الوقت يقرّب قلب الناظر ليرأف بحالها ويمسك بيدها مخبراً إياها بأن كل شيء على ما يرام.. كل شيء على ما يرام.. لاتخافي،  فلا بدّ من بضع خطوات عشوائية مترنّحة قبل أن تمشي بكعب حذاءك العالي للمرة الأولى، لا بدّ من سقطاتٍ طفولية بريئة قبل أن تتحولي لحوّاء متكاملة.. لا بدّ من جسرٍ متأرجح هشّ، تعبرينه لوحدك قبل بلوغ الضفة المقابلة

عن 1984 و 2016 وغيرها

 : مقتطفات طلبت مني تدوينها بشدّة

إذا كان الحزب قادراً أن يمدّ يده لأية حادثة في الماضي ثم يقول أنها لم تقع. أليس ذلك شيئاً مخيفاً أكثر من مجرد التعذيب والموت؟  

من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي

 ليس من المستحسن أن يكون لدى الكادحين مشاعر سياسية قوية. كل ماهو مطلوب منهم هو شعورٌ وطني أوّلي يمكن اللجوء إليه في أي وقت يراه الحزب ضرورياً

 

الحزب يقول لك أن ترفض ماتخبرك به عيناك وأذناك، هذا هو أمره النهائي والأكثر جوهرية، وسرعان ماهبط قلبه وهو يفكر بالقوة الضخمة التي تواجهه، بالسّهولة التي يستطيع بها أي مفكر حزبي أن يغلبه في نقاش، بالحجج الذكية التي لن يكون قادراً على فهمها والتي سيكون أقل قدرة على الإجابة عليها. مع ذلك كان يشعر أنه على صواب. هم على خطأ وهو على صواب وعليه أن يدافع عن الواضح والبسيط والحقيقي. الصواب هو الصواب

السائرون على الدرب يصلون، ولا يحلمون

هاهو المزيد من الوقت يمضي في محاولاتٍ فاشلة لترويض النفس البشريّة على الخنوعْ،  القبولْ، الصّمتْ، والمضيّ قدماً لتحقيق ماتبقى من حُلمٍ تائهٍ مسكين

في هذه الأوطان الملعونة، عليك أن تسلك كل السبل المقيتة للوصول إلى حُلمك،  قد يتمحور هذا الحلم ببساطةٍ حول امتلاك عربةٍ لبيع الفول الساخن على شاطئ المدينة، أو بناء غرفةٍ مخالفةٍ يتيمة، على أسطوح أحد الأبنية الفخمة
قد يكون قميصاً جديداً، يرتديه الشاب “موظف الحكومة” بدلاً من بدلة (السّفاري) المهترئة، وقد يكون الشهرة مثلاً، أو تأليف مقطوعة موسيقية تتخدّر لسماعها أطراف الجماهير، قد يكون الحلم إخراج فيلمٍ يتحدث عن مفهوم الإستسلام البشري والثورات العربية، قد يكون الحلم استثمار العقارات واللّعب في البورصة مثلاً،  فعلى قدر إحساسك يتّسع الحلم، وعلى قدر إحساسك أيضاً… يضيق

مع بداية هذه الحرب، بدأ جيلٌ باكمله يتعلم سياسةً جديدة للحلم، لم يعُد الحلم مجرّد مغامراتٍ عقلية، تهرب إلى سريرك لتعيشها قبل النوم ب رُبع ساعة!  لم يعد الحلم شيئاً يمكنك بلوغُه بالإصرار والمتابعة، هذه الصّفات أصبحت بالية، الحرب جعلتها تهترئ، ارتفعت أسعار الأحلام بارتفاع قيمة العملة الخضراء، ونَمَت سياساتٌ جديدة أصبحنا نلجأ لها، تشبه في هيكلها الطاحونة المسكرة ذات المياه المعكّرة!  وأصبح الحلم الذي يحتل الساحة اليوم، هو القدرة على الحلم بحدّ ذاتها

في ظلّ الحرب، أنت بحاجةٍ لإيجاد فرصة عمل، تقتات منها لتبق على قيد الحياة، فتحلم

في ظلّ الحرب، انت بحاجة للدراسة لتمتلك شهادة علمية او أدبية ترفعك طبقة عن باقي المجتمع وتجعل من دماغك طبقة مستقلة مسطحة الشكل والابعاد، انت بحاجة لشهادة جامعية لتحلم

في ظل الحرب، يجب عليك أن تكون أنيقاً لتحلم…  أعرف فتاةً قد أصبحت ديفا الصحافة السورية لأناقتها، بينما صديقي “أبو دقن” مازال يحلم، وصديقتي الأخرى، تصارع قذائف الهاون لتصل إلى عملها شقفةً واحدة، لا أشلاء

في ظلّ الحرب، تسيطر على نشاطك وأحلامك جمعيّاتٍ خيريّة، وحملاتٍ تطوعيّة، تتكاثرُ بسرعة كبيوض القمل، وتنتشر…  يجب على سيرتك الذاتية أن تعجّ بسوابقك الخيرية، وصورك مع أيتام الحرب الضاحكين… لتحلم

في ظلّ الحرب، وفي المدن الآمنة، أنت بحاجةٍ لتوطيد علاقاتك الإجتماعية، وغرس أواصر المحبة والوئام مع من تكرههم، لكي تحلم… فقد تكون بذرة حلمك بين أيديهم الرطبة، بانتظار موافقتك لتُنتش

في وطني، في ظلّ الحرب، تحترفُ كلّ طريقٍ يوصلك إلى حلمك، ولكنك لا تقترب منه قيد شعرة

وبعد مرور عشرين عاماً، ستنظر إلى حلمك قابعاً في صورةٍ مصفرّةٍ على الحائط، في صفحةٍ من كتاب احتفظت به، بقطعةٍ موسيقيةٍ صادفتها شتاءً بأحد مقاهي المغترب، بمكالمةٍ هاتفية مفاجئة من صديق طفولتك المنسيّ، أو في زيارة للوطن تكلّلت بعزومة “يبرق” شغل إيد الوالدة

وأنت ما تزال مُحشّراً في منزلك، إلى جانب شريكك، تفكر معه بوسيلةِ دخلٍ إضافية، تمكّن أبناءك من ممارسة حلمهم، بدلاً من قضاء عمرهم في محاولةٍ مُضلّلةٍ لبلوغه

لم يعد هناك أحلامٌ تتسع، إلا للبعض، أنبياءُ الوقت الحاضر، يخلقون زماناً آخراً، ومكاناً آخراً ليحيوا في نطاقه، تبثُّ الروايةُ روحاً في خيالهم، وتستفيق أناملهم بتحسّس القلم والريشة…  بمداعبة الوتر
يستقون الوحيَ بلا رسول، يترجمونه دونَ تدوين، ويطوفون حول أعناقهم العالية العالية العالية…  شايف السما شو بعيدة؟ …  أعناقهم أبعد منها.

اعذروا هؤلاء إن كانوا يائسين، ملولين، يستسخفون أحاديثكم ويغضبون من أصوات قهقهتكم وبراءتكم، لقد نضجوا باكراً، يقولونها بألمٍ ملعون، لا بفخر

يزيدُ عدد الكتب من حجم الرأس، لكنه لا يحشوه بشيء، يبقى فارغاً مفزعاً ك يقطينة الهالويين، تنشر هالةً فيما حولها، وتبدو سخيفة من بعيد

اتركوهم يؤدّون رقصة الحياة بعيداً عنكم، على خشبتهم الخاصة، في زمانٍ ومكان يستحضرونه بانفراد، دعوهم يقبضون على قلوبهم ويضغطون، لا تخافوهم، لاتبغضوهم، أولئك هم النور الذي سيضيء سراط أولادكم المستقيم، لينتهي بأحلامهم القادمة

زياد يزور دمشق من جديد، ومن بعيد

لا أدري حقاً مالذي استفّزني للدخول إلى هذا المكان الذي هجرته مؤخراً، أو لنقل تململت في زيارته، بعد وقوع لعنة البروكسي عليه، تلك التكنولوجيا التي أمسك بها فتزمط من يدي مراراً وتكراراً
قد يكون سبب استفزازي، شاباً متسكّعاً يبغضني كثيراً بحماقاته، ويجاكرني عالطالعة والنازلة، وقد تكون مُغامرة دمشقيّة في زمن الخوف من الأتوسترادات
صديقي الفوضوي الإعلامي الشاب، الذي لا تجمعني به إلا جلسات احتساء المتة، وصاخب الذقن الطويلة التي تذكرني بـ بابا نويل الكافيه، يجلب السعادة والمحبة أينما حلّ
لم أعتد الكتابة عن الأشخاص بطريقة مباشرة، أريد فقط استغلال الزمن الذي اجتمعت فيه القوى الكهربائية والإنترنتيّة في منزلي، لأطلعكم أنتم (زوار هذه المدونة المتواضعين) على
:ما كتبه صديقي عن صديقه الكبير “زياد الرحباني” ونقلاً عن تلفزيون الخبر

زكريا وثريّا بالصوت والصورة

زكريا هو اسم الشخصية التي يؤديها زياد الرحباني، و”ثريا” اسم شخصية زوجته التي تؤديها الفنانة نبيلة زيتونة في مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”، التي وبعد حوالي الثمانية والثلاثين عاما من أول عرض لها قرر الرحباني زياد وضعها للمشاهدين صوتا وصورة. المسرحية التي حفظها محبو زياد بعد أن اعتادوا سماعها مرارا وتكرارا على الإذاعات أو شرائط الكاسيت وبعدها على أقراص مضغوطة وذلك لعدم توفرها بالصورة قبل. لذلك من الطبيعي أن تسمع أحدهم يقول “أنا جايي سمعها أنا حافظ كل كلمة فيها” كل ما كان يعرفه الجمهور عن المسرحية هو الصوت وبعض الصور للممثلين عن طريق البوسترات الاعلانية أو صور بعض الصحفيين أو الناس في حينها، وكليهما له دقة أكثر من الصفر بـ”نتفة” . الجمهور المتعطش ليرى مشاهد كان اعتاد أن يسمع ضحكات الجمهور غير المفهومة في التسجيلات عليها أو كان يتمنى رؤية ردات فعل الممثلين أو يتعرف على أشكال الشخصيات، هذا الجمهور ضحك “ألف مرة زيادة” بعد مشاهدة أبطال المسرحية كيف يؤدون أدوارهم
شاهد الجمهور أخيرا “المسيو أنطوان”، يؤدي دوره الفنان بطرس فرح، كيف يفسر ما هي الـ”نص كبسة”، وأغلب من شاهد المسرحية ذكر بالتحديد المشهد الذي قيل أنه “قتل العالم ضحك” وهو المشهد الذي أبدع فيه الراحل جوزيف صقر مع الشاعر “أسامة” الذي يقوم بدوره الفنان فائق حميصي . أغلب من حضر المسرحية يعرف أن الصورة ستكون غير دقيقة، لكن لم يمنعه ذلك عن المتابعة، ومعظم المشاهدين خرجوا بانطباع شبه موحد : “جوزيف صقر” خسارة كبيرة
الراحل جوزيف صقر، يمثل شخصية “رامز” ابن عم “زكريا” وهو “الضيعجي” ابن القرية البريء ذو الصوت الجميل في المسرحية، وهو من قيل أن زياد أنه لم يعد يكتب مسرحيات بعد موته، لأنه والكلام لزياد، لا يوجد ممثل يغطي غيابه “ما حدا يفكر أنو رح يحل محل جوزيف لا هلق ولا بعدين” وللأغاني في المسرحية قصة أجمل، “اسمع يا رضا”، نسبة إلى “رضا” وهو أحد “الكرسونيي” في المسرحية ويؤدي دوره الفنان “سامي حواط”، الأغنية التي يعرفها السوريون جيدا ويتداولونها بكثرة الآن كونها تتكلم عن الغلاء الفاحش في الأسعار واسقاطها على ما يحدث حاليا يعزز من إمكانية تصديق من يقول بأنها نبؤة، و”عايشة وحدا بلاك” الأغنية التي تعد من أشهر ما صنعه الرحباني وغناه صقر تسنى للجمهور مواساة “نجيب”، الذي قوم بدوره الفنان رفيق نجم، “لأنو سكرت بوجهو الخط”، فيما يبقى المشهد الذي غنيت فيه “ع هدير البوسطة” أجمل فيديو كليب “طلع فيه زياد بحياة عمرو” على حد قول أحد الحضور
في سوريا التي تعد ثقافة السينما فيها ضعيفة وعلى الرغم من ابتداء عرض المسرحية منذ 28 نيسان الماضي، ما زال العرض في سينما سيتي في دمشق مستمرا وسط إقبال كبير، وكثيرا ما ترى غروبات اجتمعت من إحدى المحافظات ليسافروا إلى دمشق بقصد حضور “زياد بالصوت والصورة

علاء خطيب – تلفزيون الخبر – دمشق

نعم، كثيراً ما ترى مجموعات شبابية قد اجتمعت وسافرت إلى دمشق، أصدقاء، عشّاق، وسوريّين، ليشاهدوا زياد بالصوت والصورة، ليروا تاريخاً مسموعاً قد تجسد على الشاشة الكبيرة لأول مرة، وقد يكون السبب الآخر لاستفزازي، هو أنني كنت جزءاً من مجموعةٍ أحبّتْ الحياة، وجمعتها دمشق، بتاريخ العاشر من أيار من زمن الحرب

صورة جماعية مُنعت عنها للسلامة العامة :)

صورة جماعية مُنعت عنها لحفظ السلامة العامة 

 

 

عندما كانتْ سلمى صغيرة

في أحد أعياد الفطر السوّرية . وبينما كانت والدة سلمى تبغض الخروج في أيام العيد إلى شوارع تلك
المدينةِ الخالية من الأقارب، والتي لطالما كانت عنواناً لغُربتها
طلب والد سلمى منها أن ترتدي على عجل ثوبها الصّوفي الجديد الذي اشترته  بناءً على ذوقها الخاص
– كان رمضان آنذاك يصادف توقيته شتاءً –
ارتدتْ ثوبها بعنايةٍ تامّة كالسّيدات الجميلات الأنيقات، وفتحت خزانتها وأخرجت منها سرّ هذا العيد الذي
سيميّزها عن باقي فتيات الحيّ ألا وهو حقيبةَ يدها الجلديّة ذات اللون الأسود والمُطرزة بقطّة من الفرو الأبيض النّاعم

لم تكنْ والدتها تسمحُ عموماً بتربية القطط والكائنات “الحسّاسة” في المنزل
والدها عوّضها عن تلك الرغبة التي تفاقمت في العامِ المُنصرم، والتي كان يُشاركها بها سرّاً بشراء هذه الحقيبة . كان حقاً صديقاً لها

ذهبا إلى السّوق والكورنيش البحري حيث تكثرُ مظاهر العيد وطقوسِه . اشترى لها كلّ ما تحب وتشتهي . وفي طريق العودة
اجتازا حديقةً كبيرةً تقعُ في مركز المدينة
عادا إلى المنزل
بحثتْ سلمى عن حقيبتها كثيراً قبل أن تستلم للبكاء لكن لا فائدة . عاد والدها إلى الحديقة حيث فكّرأن تكون الحقيبة قد سقطت من يدها
دون أن تشعر . لكن ليس ثمّة فائدة
الحقيبةُ اختفتْ

……………..

5300e7cfa24f4f8a9ff14c81689b1389

في عيدِ ميلادها العاشر
دعتْ سلمى صديقاتها اللّواتي تفوّقن عليها طولاً وحجماً وغدتْ أجسادهنَّ أقرب مايبدو لأجساد
المراهقات بسرعةِ البرق، بينما كانت عِظامها اللينة ما تزال تُبدي طفولةً لا تنضجْ
.كانت والدتها قد صنعت الحلوى والعصير للفتيات

سلمى كانت – ومازالت – تكره الرّقص . ثمّة شيءٌ ما يُحرجها بوجود أحد والديها . كانت تُفضّله في غيابهما
وتعتبره رياضةً سِريّة
وبسبب ذلك
كانت تبدو حفلةُ عيدها كما في كل عام، جامدةً كلوحةٍ كلاسيكية
خمسُ فتياتِ يتحلّقن حول مائدة الحلوى المُضيئة بالشّموع – اختيرَت بعناية باللون الزهري الموافق لعدد سنين عمرها – يُصفّقن على أنغام إحدى
الأغنيات “المودِرن” كالتماثيل، والأم تتمايل وتغنّي محاولةً أن تحرك الجوّ الذي غدا شبيهاً باجتماعٍ لزوجات رجالِ أعمالٍ من الطبقة المخمليّة

انتهى وقت الاحتفال وأُطفئت الشموع . أخذت كُلّ فتاة قطعتها من الحلوى وجلست على كرسيها وعمّ صمتُ الخجل
لم تعتدْ سلمى وصديقاتها على تبادل أحاديثهنّ بحضور أحدٍ من الكبار … وللأسف لم تنتبه والدتها إلى هذه النقطة
وإلى محاولاتها الفاشلة في تحريك الجوّ
.وكانت محاولتها الأخيرة، عندما طلبت من سلمى أن تذهب بنفسها وتجلب العصير لصديقاتها . عصير التّوت

سلمى بشفاهها المُزيّنة بالأحمر، وبعض الكحل الخفيف الّذي وضعته بشكلِ متعرّج فوق جفنيها لتغدوَ أكبرَ سنّاً
بتلك النظّارة التي تُشبه كعبَي فنجانٍ زُجاجي، والتي يُقنعها والدها باستمرار بأنها تجعل العينين تبدوان أكبر
– وهذا من صفات الجمال عند العرب –
وبفستانها الكيوي الأنيق الذي ارتدته اليوم خصّيصاً
توجّهتْ إلى المطبخ . وضعت كؤوس العصير في مكانها على صينيّة معدنيّة
وعادت بهم إلى الصالة
لكنّها لم تنتبه مُطلقاً من شدة سعادتها وهي ذاهبةٌ لتقديم العصير لضيوفها
إلى الباب الزُّجاجي الشّفاف الذي اعترض طريقها

انتهتْ الحفلة بسلمى باكيةً . وعصير التوت يزيّن فستانها الكيوي . وأمها تضحك لها .. محاولةً أن تبيّن لها الجانب
الكوميدي اللّطيف في هذه الحادثة البسيطة

لا أعرف كيف أُنهي ما بدأتُ بكتابته … لكنني حقاً أعتقد … أن سلمى تُشبه صديقتي كثيراً
ولا تُشبهها

نُزهة إلى صيدنايا

مُذكّرة لم تكتمل … ولن
المكان : لامكان
الزمان : لا زمان
من ذاكرة الحرب . وماقبلها
في طريق العودة
طفلة لا تكاد تتجاوز بطولِها ركبتي العسكري المتّكئ على الباب
مساحة حرة واسعة، تشبه الصحارى المحيطة بالقلاع القديمة بعد أن تمّ تزيينها كما في أعياد الدولة الرسمية
نساء كثيرات . أغلبهنّ يرتيدنَ اللون الأسود وبرفقتهنّ إما أطفالٌ صغار . رضع في الغالب . أو شباب مراهقون
 … عساكر وعساكر وعساكر
اللونان الأسود والأخضر كانا يطغيان على المشهد
صراخ الناس والفوضى العارمة

يعني ايمت منقدر نشوفو الله يخليك والله جايين من آخر الدني
بيجوز مايكون هون اساسا ياخالة مافيكون تشوفوه لتعرفو وينو وتاخدو اذن زيارة سنوية
_________

يا ابني مافيهون شي والله بس زيت
ممنوع ياخالة ممنوع

أصوات تداخل في ذاكرتها
كانت من أغرب اللافتات التي رأتها . اعتادت قراءة اللافتات في الأسواق بصوتٍ عالٍ ومزعج
صالون للحلاقة النسائية . ملابس رياضية لكافة الاعمار … الخ
” انتبه حقل ألغام ”     
شعرت بأنها مميزة جدا في هذه الحياة . أصدقاؤها في المدرسة لم يزوروا بالتأكيد هذا المكان
غداً ستروي لهم كلّ ما شاهدته في استراحة المدرسة
ستخبرهم أنها كانت تقف بجوار حقل شاسع من الألغام، يحيط بقلعة تضم بداخلها مئات وآلاف المساجين
كالأفلام الأميريكية تماماً … وستبقى تنذهل في كل مرة تروي بها هذه القصة، حتى تبلغ العقد الثاني من عمرها
المشهد لن يزول . ولن تستطيع أن تسترجع غيرَه من الذاكرة
ستحتفظ بالبعض لنفسها
فلم ترَ من الجيد أن تخبر أصدقاءها عن مدير السجن الذي لم تتمكّن من رؤية وجهِه لأنه كان يجلس مستريحاً، رافعاَ قدميه فوق مكتبه
 . كانت قدماه أعلى من وجهها ومستوى نظرها . مهما حاولت رفع رأسها عالياً . وكأن هذا الأمر مُتفّقٌ عليه

كان في إخبارهم ذلك مهانةً لها

فُنجان من الحليب

في طُفولتي . كنت أكره الحليب . ومازلتْ
صوتُ مذيع الأخبار
صراخُ أبي الصّارم في كُلّ صباح، وأنا أقف قبالة الفُنجان الخاص بي
“اشربِي”
كان كفيلاً بِجعلي أشربُ الفنجان كلَّه برشفةٍ واحدةٍ طويلةٍ جداً
وأنْ أُتابع ذلك الفعل في كل يوم . وأن أمتنعَ عن التقاط نَفَسي حتّى الخلاص من آخر قطرةِ حليبٍ باقية، لأستطيعَ بعدها الذهاب إلى المدرسة

صُراخ أبي فيما بعد، علّمني كيف يستمرُّ البشر على قيد الحياة

أمّا “صباح السّعد” فكان عندما تستيقظ أُمّي باكراً و تتوّلى بنفسها تحضيرَ فُنجان الحليب
وتتعمّدَ أنْ تسهوَ عنّي، لأتمكّن من النّجاة، والنّفاذ برشفةٍ صغيرة، وسَكْب ما تبقى سرّاً في المغسلة والذهاب بعدها إلى المدرسة بسعادةٍ غامرة

عندما اختبرْتُ الحياة . تذكّرتُ تلك الرّشفة الطويلة الساخنة من كوبِ حليبٍ لا ينتهي

الصّباحاتُ التي أنقذتني بها أُمّي … أثبتتْ لي فيما بعد، أننا بحاجةٍ ماسّة إلى الحب في هذه الحياة.  حتى نذهبَ بسعادةٍ إلى المدرسة، ونعودَ في كل يوم إلى البيت، بانتظارِ فرصة جديدة تسهُو بها الحياةُ عنّا

! كنّا نحرّر فلسطين

 . وفكر أنه كان محميّاً داخلها، رغم السّلب والعزوف الداخلي عن انتمائه لها

 . والآن هو في الخارج . بغتة هذا العراء المكشوف

أمّنا الحانية، فكر وهو مستلقٍ على السرير، تلك التي رعتنا وحمتنا، ولو وهماً، من الأعداء
منذ ربع قرن وربما إلى الأبد وذلك حين انطلقتْ بقوّتها الخارقة التي لا تُقهر، إلى الشارع
الفوضوي والديمقراطي وصرّحتْ بـ بيانها الإذاعي الأول : منذ اليوم أنا سيدة هذا العالم
المتخلّف والمتناحر والفوضوي . ستتحرر البلاد مرة واحدة وإلى الأبد من فوضى الأحزاب
 . والسياسيين الأوغاد الذين يقتتلون ويتعاركون كالكلاب الشاردة

مباركة هذه القوّة العظمى . القوّة التي تستمدّ شموليتها وتفويضها من الربّ الأعلى . أمّنا الحامية
التي ترعانا جميعاً برحمتها وبركتها الإلهيّة . هي الآن تتخلى عنه . يُزاح قماطها الحميم
 .فيشعر بالصقيع والعزلة الجوفاء . طائرٌ مهيض الجناحين

فكر أن يقدّم لها هدية في عيدها الثالث والعشرين . ابتهاجاً بحروبها المتوالية وانتصاراتها . وهكذا، في حالة
خارجة عن سياق الزمن العاقل، قرر إطلاق اثنتي عشرة طلقة في سقف غرفة النوم من مسدّس
 .الضابط المُسرّح، الذي سيُسلّم غداً

لابدّ أنه كان في حالة ذِهانية مشوّشة، وربما عصابية وهو مُرمى خارج العالم . كان يطلق بهدوءٍ غريب
وحدها اليد كانت ترتعشُ جرّاء الصدمة بين الطلقة والأخرى . كان مستلقياً على الفراش يشاهد بحيادية
.باردة آثار الطلقات في الزوايا والسقف الذي يُثقّب ويتقشّر

 : حين هُرعت أم الأولاد صائحة بفجائعيّة : لقد انتحر أبوكم ! انهمرتْ والأولاد فوقه بالبكاء والصراخ
لماذا فعلتَ هذا يامجنون ؟ – 

 : ببرودٍ وهو يشبك كفّيه تحت رأسه على الوسادة قال
 ! كنّا نحرّر فلسطين – 

الفصل 55، هجرة السنونو، حيدر حيدر

بانتظار مِـــدلِـــجْ

” ! جبال الصِّوانْ ملكناها … افرحوا”
هي الصّرخة يلي سبقت أولى الأغاني
الأغنية يلي صدحوا فيها العساكر ومَلُـو الدّني، نشروا الرعب والخوف وزلزلوا الأرض بعد ما قتلو قَـيْـدوم الجبال
حارس البوابة .. والبطل . مات البطل وتكي راسو عالبوابة . انقتل البطل . انقتل “مدلج” وملّا الخوف الدني
مدلج المقاومة والبطولة، مدلج يلي قتل خوفو، مدلج المفقود بهالأيام
“وينو مدلج ؟ مدلج “السُّوري
مدلج الجبال والبحر وبس … مدلج الوطن وبس …مدلج الواقف عالبوّابة
مش ع بواب تانية وراها متخبية جهنم بصورة الجّنة
مش ع بواب الملوك والأمرا
مش ع بواب السّفر
مش ع بواب الخوف
الرّحابنة بكل مسرحية كان الهون غنية معيّنة تخبي بين كلماتها كل المقصد
وانا … بكل مسرحية في الي غنية بتعلق بذاكرتي وخيالي من أول مرة
بتعلّق اكتر من غيرها
وهالمرّة علقت هالغنية بخيالي بصوتْ العساكر، عسكر المحتلّ، بصوت الرّعب والليل
بصورة خيال عم يرسم البيادق بالعتم الأسود، بيادق عم يرقصو والسّيوف عم تبرق وتلمع وتضوّي ظلم
 : وكانت أصواتن

لـَـيـْـــــــل لـَـيـْـــــــل لـَـيـْــــل يا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــل

أصـْـوات الـْـكــاسـات عـَمْ بـِتـْزيـْـــد ضـَـوِّ اللـَـيـْـــــــل

يـا غـِـنـِّـــــيـِّـــــتـْــنـا يـا وَرْدِة الـْـلـَـيـْــــــل

هِـــيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّـــيلْ لـِ لـِّـــيْل لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّــــيلْ

يا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــل

نــــــار نــــــــار نـــــــــــــار والنــــــــــــــار تـِكـْـسـُر نــار

وعـْـيــُـون عـَمْ بــِـتـــْـلـُــــوح حــَــدّ السـَّيـْف مـِتــْل النــَّـــار

يا سـَـهـْرِيـِّـتـْـنا يا نِجـْمِة النـَّار

هِـــيْ لـِ لـِّيلْ إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّـيْل إيْ لـِ لـِّــــيلْ لـِ لـِّــــيلْ

يا لـَـيـْـــــــل خـَـبـِّرْ لـَـيـْــــــل

روح واســْــــــــــــــآل عَ حــِـلـْـوِة الـْـمـَـنـْـتـــُــــــــور

روح واســْــــــــــــــآل والـْـهـَــوى عــَم يـْــــــــــــدور

يـا هــَوى مـــَوِّجْ يــا هـــــَوى واعـْصـُـف ياهـَوى بالـْمـَنـْتـُور

يــا لـَـيـْــــــل يـــا لـَـيـْـــــــــل يا لـَـيـْـــــــل خـَـبــِّرْ لـَـيـْــــــل
7:30  للأسف الأغنية جماعيّة الأداء ولم أجدها مُنفردة ولكن هذا المقطع من المسرحية يتضمن الأغنية بدءاً من الدقيقة

 مسرحية جبال الصوان تأليف الأخوين الرحباني ومشاركة تلحينية من العظيم فيلمون وهبي*
قدمت في بعلبك، وفي دمشق عام ١٩٦٩*
لعبت فيها فيروز دور “غربة” ابنة مدلج وبذرة المقاومة والثورة “الحقيقية” على الظلم والاحتلال التي ستثمر في الأجيال القادمة

شـُو بدّك تقتـل تـَ تقتـل.. مـا بـَقى رَح تخلص القصّة

ورا كل صـَخـْرَة .. تحت كل شـَجـْرَة .. بـْــ فـَـيـِّـة كل بيـت

عم يخلــق ولــد لــَ مِدْلـِـج

“غربة”

الخالة

بيت حجريّ على الطراز القديم، أو بالأحرى هو فعلاً قديم، بيتُ الجدّ والجدّة وبالعاميّة بيت العيلة امرأة في السّتين من عمرها تقطنُ فيه وحيدةً، تعاني من إعاقة جسديّةٍ خَلْقيةٍ معينة، وأعتقد غير جازمةٍ أنّ لهذه الإعاقة الدور الأكبر بعدم زواجها وتكوينها لأسرةٍ كسائر النّسوة

: ولأنّ الوصف والمقدّمات من شيمي السيئة .. أسترسل غرفةٌ واسعة للجلوس وللاستضافة تُمثّل ساحة المنزل، تتفرّع عنها أربعُ غرفٍ للنوم واحدة للخالة (كما سأعتمد تسميتها هنا) وثلاثٌ للفتيات اللّاتي كُنّ يستأجرن لديها، وهنّ في الغالب  طالباتٌ جامعيّات : مطبخٌ حجريٌّ عتيق كان سبب اختياري لهذا المنزل، شبّهته يومها قائلةً لوالدتي على باب الدّار ” مطبخ بيجنن .. متل مطبخ ستّي وستّك “ كنا موزّعاتٍ على الشكل التالي : فتاتين في كل غرفة، لكلٍّ منّا سرير وخزانة خاصّة بالإضافة إلى  طاولة مشتركة للدراسة  الشبابيك الخشبيّة المطلية والمُشرقة على حيٍّ شعبيّ بحت، أعشاش اليمام المُزعج على الشرفات، البلاط المُنقّط الذي أكل عليه الدهر وشرب، السجّاد والخزفيّاتُ والأطباق ، وصور الأموات بالأسود والأبيض المُصفرّ تملأ جدران المنزل، كل هذه التفاصيل كانت مغريةً جداً لفتاة مثلي طالما كان “عبق الماضي” حلمها الأجمل

حسناً، هاأنا ذا أصبحتُ من ساكنات هذا المنزل ومعي خمس فتياتٍ أخريات من مدنٍ مختلفة وللدّقة بمكان، من أديان وعقائد وبيئاتٍ مختلفة تماماً، وربما قوميّاتٍ في بعض الأحيان

هو عام دراسيٌّ وحياتيٌّ كامل، تجربة ؟ قصّة ؟ لا أعلم .. سمّوها ما شئتم ولأسمّها أنا ما شئتْ


ابتدأ هذا العام بهناءٍ عائلي تام، أذكر أنني كنت أعود في عطلة نهاية الأسبوع متحمّسة جداً لأخبر أمي عن مدى

روعة الخالة والبنات والمنزل، وكنت أشبّه الحالة لأصدقائي وكأنني في مسلسلٍ سوري قديم كان بعنوان فسحةٍ سماوية إن لم تخيّبني ذاكرتي، ومنى واصف “بطلة ذلك المسلسل” هي ربة المنزل أي “الخالة” ونحن الفتيات المستأجرات بتنوّعنا  …كل منّا قد غادرت منزل أهلها للدراسة أو للعمل ولتخطّ قصّة غربةٍ بيدها وتجاربها

صفرةٌ واحدة جمعتنا على وجبات الطعام الثلاث يوميّاً، صوت فيروز لم يغادر المنزل صباحَ مساء، سهراتنا العامرة بجلسات الأسرار والنّكات والأخبار اليومية .. نتبادلها كعائلةٍ واحدة بل وأقرب كانت الخالة .. تصغرُ معنا لتصبح في سنّنا، وتكبر بنا لتكون أُمّاً وتمرّ الأيام والشهور كما في الحكايا والرويات، وتتغير وتتبدل الفتيات بين وافداتٍ وراحلاتْ وأنا مازلتُ مستقرّة، وكنت لا أشكّ للحظة أنني الأقرب إلى قلبها

بدأتْ الصورة تتّضح أو يسعني القول .. تتبدّل تبدلاً جذرياً كما هو الوضع السياسي في بلدي الممنوعات في المنزل تخطّت تعداد المسموحات، بل لنقل أنّها تخطّت المعقول ! ، أصبح طعامنا بإذن ولباسنا الشّخصي بإذن، وحتى ضحكاتنا بإذن .. فما إن نضحك سويّةً على حديثٍ ما حتى تنهال علينا بعبارات توبيخٍ  : رخيصةٍ على رأسها  لا أريد لسُمعة منزلي أن تتشوّه بسببكنّ


ازداد فيما بعد طلبها للماديات بشكلٍ عام وبشكلٍ خاص للأُجرة، فأخذت ترفعها بأسلوب قاسٍ ومفاجئ جداً بالنسبة لإنسانة اعتبرت نفسها أُمّاً

 : ذلك العام  لأول مرة، ينبّهني أحدٌ ما أنّ قصّة شعري الجديدة سيّئة لأنها تشبه قصة شعر فتيات الطائفة الفُلانيّة لأول مرة، ينبّهني أحدٌ ما إلى وجود محرمّات ومحلّلات لم أسمع بها في يوم من الأيام لأول مرة، ينهرني أحدٌ ما لأنني سلّمت على صديقٍ لي باليدْ، فالسلام عندنا حرام .. أما عندهم ( أي عند الدين الذي ينتمي إليه صديقي فهذا غير مهم، فهو ليس منّا ) ، وعلى هذا النحو كانت تُفسّر الأمور لأول مرة، أراقب عن كثب وبصمتْ كيف يمكن أن يتجلّى مفهوم الحقد الطائفي والطّبقي والديني عند مخلوق بشريّ ليغدو الحقد بحدّ ذاته مفهوماً آخر  …لأول مرة، يسألني أحدٌ ما عن أصدقاء عمري عندما أتوا لزيارتي ” من أيّ طائفةٍ هم” ، وغيرها من المرّات الأولى الكثيرة

ٍالغريب في الأمر أنه مع ترافق هذا التعصّب الديني والطائفي، كان الدين يُنسى تماما عندما يتعلق الأمر بنهبٍ أو سرقة أو اتّهامِ بعض الفتيات بالسرقة من بعضهنّ الآخر!! فأنا لا أنسى ذلك اليوم الذي فُقدت فيه 500 ليرة سورية من المنزل وجاءت فيه الخالة تهدّئ من روع الفتاة الفقيرة صاحبة المبلغ، ومن ثمّ تقنعها بالمنطق بأن شريكتها بالغرفة هي السارقة لامحالة ! وأن عليها أن تستردّ المبلغ خلسةً، كي لاتُحرجها بفعلتها أمام باقي الفتيات وأن تسامحها في الله وأنا أراقب هذا المشهد بعجبٍ وكأنه للحظات قد تحوّل المظلوم لظالم، والمسروقة لسارقة، وقُلب الحقّ باطلاً لعيناً

 ! وتكرّرت هذه الحادثة وتكرر أسلوب المعالجة ذاته ثلاث مرّاتٍ في شهرٍ واحد

ولا أنسى أيضاً، يوم طُردت إحدى الفيتات من المنزل ليلاً لأنّ الخالة قد رأت في حقيبة يد الفتاة الخاصّة ظرفاً من حبوب دوائيّةٍ معيّنة تُؤخذ كمانعٍ للحمل بالإضافة إلى استخدماتها العلاجية الأخرى الشائعة  لدى الفتيات والنّساء والتي لا يرى منها المجتمع  ! فقيرُ الثّقافة الطبيّة إلا كلمة “حمل” وتكفيه دليلاً قاطعاُ للطّعن بأخلاق هذه الفتاة

كنت أشعر طيلة هذا العام المرير وكأنني أدرسُ حالةً نفسيّة مستعصية ولنقل حالة مَرَضيّةً ربما حاولت إعزاءها للجهل .. التعّصب ؟ لا أعلم ، ولكن من المؤكد أنّ هنالك خللاً نفسيا واجتماعيا ما فات الأوان على إصلاحه


في نهاية العام، قمت بحزم أمتعتي بصمتٍ تام، وانسحبتُ بكامل هدوئي وبسلامٍ مُطلق في البداية عانيتُ بعد هذه التجربة الغريبة من ردّ فعلٍ دينيّ وربما اجتماعي، ولكن اليوم وبعد مرور مايقارب الثلاثة أعوام، أصبحت أرى الأمور بعينٍ أوسع وأشفق على هكذا حالات اجتماعية تحتاج لتوجيه ومعالجة مازلتُ حتى اليوم أصدف المنزل وأمرّ أمامه بحكم قربه من جامعتي، وفي كل مرة أمرّ أستزيد من الجيران والمعارف بأن الجنون والجشع مازال بتفاقمٍ خطيرِ عند هذه العجوز أنظر إلى الضوء المنبعث من شبّاك غرفتها إلى الشارع، أنظر إلى السماء وجُلّ ما أفكر فيه هو ذلك السرير الذي كان بجوار سريري، وكم من فتاةٍ تبدّلت فيه، وكم حصلت بذلك على أخواتٍ  عابراتٍ بعضهنّ لا أعرف عنهنّ شيئا اليوم، وبعضهنّ أصبحن صديقاتٍ أبديّات

نجلس اليوم ونستذكر تلك الأيام واللحظات التي تشاركناها في تلك الفسحة الحجريّة وفي الحقيقة، هي قصّةٌ ليست بالمهمة، وهي ذكرى يطول الحديث عنها ويطول ولكن ما شدّني لاستحضارها والكتابة عن شيءٍ بسيطٍ منها .. هي تلك التّركيبة البشريّة الاستثنائية 

هي تلك الخالةُ النموذجية الخالة الجشعة، الّتي تتستّر بالدين للقيام بكل ما نهى عنه جوهرُ الأديان السماوية، للقيام بكل ما نهتْ عنه الأخلاق الطيبة هي تلك الخالة التي كنا نراها في الأفلام ونخاف منها بطفولتنا البريئة، لاتفرق عمّا قامت به الأم التي دهنت أجساد أولادها بالمُربّى وعلقتهم على شجرةٍ لينهشهم النّحلُ والذُّباب ولا عن تلك الخالة التي قطَّعت أوصال أولادِ زوجها ووضعتها على سكة القطار بل هي ذاتها !! لكن تجسّدت هنا بأشنع صور الرأسمالية والطائفية والديكتاتورية !!! لاغيةَ كل ما كان بوسعنا تحقيقه من تكاملٍ انتمائيٍّ جمعَ خليطنا في منزلٍ حميميٍّ واحد وصانعةَ مع أمثالها شرخاَ حقيقياَ في مجتمعي، لا أعرف بعدُ إن كان بالإمكان إصلاحه أو الحدّ من انتشاره على حدٍّ أدنى من القول

 ..ونهايةً سلام … لكل روح جميلةٍ مرّت على هذا المنزل، ولكل صديقةٍ عابرة شاركتني ضحكتي ودمعتي فيه

 ! سلامٌ واصلٌ … لمن بقي منهم في نطاق الصداقة



القصة  المحكيّة حيقيقة، ولم يتمّ ذكر أية أسماء أو تفاصيل لتجنّب الأذية النفسية والاجتماعية لأيٍّ من المعنييّن أعلاه 

عن فحميّةٍ أبتْ إلّا أن تُنجَز

على نَغَم المُوسيقى بدأْنا رَقصتنا

أضواء الشّموع البرتقالية في ليلةٍ خَلَتْ من الكهرباء ( كانتْ الشيء الوحيد الملوّن ليلتها )، نهضتُ من يأسي و وحدتي وشوقي، مشيتُ بخطواتٍ بطيئة متكاسلة متردّدة، رأيته هناك بانتظاري عانقتهُ شوقاً وأسفاً.. حزناً وفرحاً، وبدأنا رقصتنا

كان السّواد الفحميُّ يُغطّي معظم المكان وبين نثراتِه أُمررُّ أصابعي، أتحسّس ذلك الوجه أُلامس ما تبقّى من تكاوينه في ذاكرتي، استدرجها مُحتالةً .. فتأتي إليَّ بكلّ رغبةٍ وسذاجة

بدأتُ شيئاً فشيئاً أرى عيناهُ وسط الظّلام الحالك، لطالما ميّزتهما من ضحكةٍ جعلتْ من كليهما  زورقاً صغيراً على اليمين وآخرَ على الشّمال، كلٌّ منهما مُحمَّلٌ بحبّة لؤلؤٍ كبيرة، وأخرى صغيرة، أحببتُ – دائما- أن أسمّيهما “أملْ وابنتُها” وكان من واجبي أنْ أُحافظ عليهما .. ولكنْ لا بدّ أننّي لم أتغلّبْ بعْدُ على الطّفلة المُهمِلةِ بداخلي

أعود

وبينما نحنُ نرقص أفقد التّركيز على كلّ شيءٍ إلاّ هوَ، حتّى رقصتنا تلك، تظلّ ساريةً بمفعولِ “اللّا إرادةِ” وليس بأمرٍ منّي، فأنا كلُّي لم أعدْ هنا ! أنا كُلّي أصبحتُ في الفردوس الأسود والأبيض، فردوسٌ قديمٌ لم يعدْ يزوره إلّا قلّةٌ قليلة عتيقة، أنا واحدةٌ منها

…أعودُ مُجدّداً 

الأبيضُ الذي أخذ يزداد شيئاً فشيئاً، كما الأملُ في قصّتنا، كما الأملُ في نُضجِي ! والرّغبةُ في نُضجِه أيضاً كلٌّ منّا كان ولداً على طريقتِه على ما أعتقدْ.. أو على ما أصبحتُ أعتقدْ

…أتابع الرّقصة

أعتذر منه لأنّني شردتُ قليلاً، أرتشفُ من فنجاني، وأباغِتُ شفتيه بلمسةٍ تُظهر ما فيهما من جمالٍ و تُخفي ما فيهما من كذب …  ذلك الأنفُ الذّكي، نعم ! ذكيٌّ يوحي بالدّهاء بانحناءته تلك أمرُّ بحاجبين كثيفين على جبينٍ لُجينِ … أخافُ، أقفُ قليلاً .. أرجِعُ خطوةً وأتقدّم أخرى

أخلُقُ تدويرةَ الوجه تلك من العدم، أصقلها، أقبّلها بإبهامي ! و”أسمحُ” بعدها للعُنقِ بأن تعانق الغمام أنظرُ حولي، ليس ثمّةَ حمامٌ يطير ولا يحطّ … إذاً …  أنا مازلتُ في رقصتي، ولم يسرقني منها منامٌ درويشيُّ اللّحظة

…أطمئنّ

…قاربتْ الرقصة من النّهاية

هي على ما أعتقد استمرّت لساعات ولكنّني لم أُدرك شيئاً، أنا مُعلّقةٌ في الزّمن الآن، مُلطّخةٌ بالفحم من رأسي ( كما لطّخه الخالِقُ “عزّ وجلّ” حينَ كان يرسُمني بتلك الرّيشة الّتي كسرها حسبما قيلَ لي مراراً وتكراراً ) إلى مرفقيَّ وربّما قدميَّ لا أعلم، فأنا لا أرى شيئاً منذ عدّة ساعاتٍ و رأسي مغمورٌ بين سَنَدَيْه الخشبيّتين، غماماته البيض .. غماماتِه السّود ….حسناً، انتهت الرقصة

…أقفُ قبالته

أبستمُ مُنهكةً عاشقةً تَعبة، أوضِّب تلك السّاقين الخشبيّتين الطّويلتين كما “صاحبُ الظلّ الطّويل”  أحملُه وأُرجِعه إلى مخبأهِ، أعتذر منه لأنّني تأخّرتُ عليه يأساً وعجزاً كافراً، وأَعِدُهُ زوراً وبُهتاناً بالعودة قريباً


..أمّا ذلك الوجه الفحميُّ أُقبّله غير آبهةٍ بالهُبابِ يلوّث وجهيَ الطّفولي البريء، أيُّ فضيحةٍ تلك هيَ قُبلتي ؟!  أذهبُ بعدها إلى سريري ( أُحشّر فيه برداً كفأرةٍ لم يعد يَسعها وِكْرُهَا ) أفتحُ ذاكرتي من جديدٍ، أُعلّقه فيها، في الأعلى من جهة اليسار بموضعٍ يكونُ مُسايراً للقلب أدعو هواجسي و أحلامي زوّاراً ليروا لَوحتي، ليروا من أُحبّ، فهواجسي لا تملكُ ثمناَ تشتري به تلك الفحميّة ! و بالعموم هذه الفكرةُ تريحني كثيراً، فـ فحميّتي ليستْ للبيع ! هي مُلكيّتي بأنانيّة، وملكيّةٌ أزليّةٌ و وهميّةْ، هي فقط فحميّةٌ لم أجرؤْ – و لنْ – على إنجازها رسماً فأبَتْ إلاّ أنْ تُنْجَزْ



صديقي بائعُ القهوة

.مدينةٌ ساحليّة صغيرة، شوارعها بعدد خطوط راحة اليد أول أكثرَ بقليل     …زاويةٌ هناك عند طرفِ الشّارع، وقرب محطّة البولمان

.خمسُ دقائقَ من ذلكَ اليوم وفي ذلكَ الشَّهرِ الشَّتويّ المُثلَّج , أقفُ فيها مُنتظرةً والدي وبيدي حقيبة كبيرة وثقيلة

.الشَّهر ذاتُهُ الّذي شَهِدَ قَحطاً وجَفافاً مُفاجئَيْن في عددِ الأصدقاء، حيثُ أَعلَنَ فيهِ كُلّ الأصدقاءِ انسحابَهم، المُباشر وأحياناً غيرِ المُباشر، بعضُهم كُرْهاً وبعضُهم عِشقاً، وأحدهم ضعفاً

ويُصادِفُ يومَها مُرورَ عاصفةٍ ثلجيّةٍ -على ما أذْكُر- على تلكَ المدينةِ البائسةِ الجميلةِ نفسِهَا سمَّوها زينة ! ويالها من زينة …وأنا هناك …وخمسُ دقائق فقط  هناك

أذكرُ أيضاً أنّي مَلَلْتُ بهذه الخمس لدرجةِ أنّي بِتُّ أتخيّلُ ضبابَ الهواءِ المُجمّدِ المُنبعِث من فَمي وأنفي وكأنّه دُخانُ سيجارةٍ أَنفُثها بغيرِ خجلٍ أُنثويٍّ مُعتاد في وسطِ شارعٍ يغصُّ بالمُسسافرينَ والبولمانات المُهترئة، وأضحكُ بعدَ أنْ أتخيّلَ هذا التّخيُّل، كَمَن يُجرّب شيئاً لا يُحبّه 

.ويفرحُ بتجربته تلك لأنّه ملَّ الحُبّ وملّ تجربةَ مايُحب


لم يبقَ معي نقودٌ حقيقةً، وهذا كانَ سببَ انتظارِي لِـ والدي، عموماً، لا أعتقدُ أنّي كُنتُ استمتعُ بالإنتظارِ في هذا البردِ القارص أو بصُحبةِ أبٍ صديقٍ

طبيبٍ صارمٍ

في السّتين من عُمره في شهرِ انسحابِ الأصدقاءِ أيضاً !، و لم أكنْ قد علمتُ بأمرِ العاصفة، فصادفَ أنّي لبستُ بنطاليَ (المخزّق عالموضة) ودخلَ صقيعٌ جليديٌّ إلى نُقيّ عظمي فكّرتُ فيهِم واحداً تلوَ الآخر، سببُ انسحابِهم جميعاً، هل أشتاقُهم ؟ أم هوَ مَلَلُ الإنتظارِلا أكثرْ. هل أبكيهِم ؟ أمْ أنّ عينايَ تدمعانِ لتبعثا شيئاً من الحرارةِ

في حَجَرِهِما كي لا يتجمّد نورُه

أعتقد أنّني كنتُ أبدو نوعاً ما (على غيرِعَادتي) مُثيرةً للشَّفقة، فتاةٌ نحيلةٌ لا ترتدي ملابساً سمكيةً بهذا الجوّ المريض، ولا تضعُ قُبّعةً صُوفيّةً ولا قُفّازاتٍ وتنفخُ على يَديها بينَ الحِينِ والآخر داعكةً بعضَهما ببعضٍ كمن يُشعِل النّارَ من حَجَرِ صوّان، ولكنْ الفرقُ الوحيدُ أنّني كنتُ أدْعكُ من هنا، وتشتعلُ النّار في صدري من هنا، نارٌ من نوعِ آخر، سوداءُ اللّون ولكن حافظَتْ على لونِ دُخانها رماديّاً، كما حافظتْ كذلك أنامِلِي على لونِهَا الأزرق


 : صوتٌ يأتي من جواري يا آنسة .. يا آنسة، بدّك تاكسي ؟لاء شكراً إلك، ناطرة حدا

( كان صوتُ بائعِ قهوةٍ شابّ في كشكٍ صغيرٍ أنيق, يبيعُ المشروباتِ بأنواعِها)

طيّب كيف قهوتِك ؟مافي داعي واللّه، يسلمو

…وبعد الإصرار

قهوتي حلوة، يسلمو إيديك


لم أُصرَّ على موقفِي بعدمِ شُرب القهوة، لا حُبّاً فيها حيثُ أنّني لطالما كرهْتُ قهوةَ الماكِيناتِ المعدنيّةِ تلكْ، ولكنْ كانَ شيئاً جميلاً .أنْ أحضُنَها بكلتا يديَّ وأشعرَ بالحرارةِ تبعثُ بأصابِعِي الحياةَ من جديدٍ ولو لفترةٍ مؤقّتة أذكرُ بعدها أنّني كنتُ أرتشفُ من الكأسِ الكرتونيّةِ رشَفَاتٍ خفيفةٍ كي أُظهرَ للبائعِ الّذي مازالَ  يراقبُني بشفقة، أنّني أحببْتُها .فكما نعلمْ من العيبِ أن نرفضَ الضّيافة :وإذْ يصدَحُ من شُبّاكِ أحدِ البولمانات صوتٌ دافئٌ كالحطب المُجمّر

ليل وضحك، وسهريّة عيد، وكلّ صحابي حوالييّ .. وعم فتّش أنا على حُبّ جديد والناس عيونا علييّ …بتطلّ بيوقع مني الكاس .. وحدي الّلي بشوفك من هالنّاس

.ومِن هَولِ مُصيبَتي أنّني لشدّةِ ما كنتُ أراهُ – وَحدي من بَيْنِ النّاس – كنتُ أزدادُ برداً وبرداً وبردا


 : قال لي مُقاطعاً .إذا مطوّلة يا آنسة، ادخلي لجوّا المحلّ أدفى، درجة الحرارة صارت تحت الصّفر برّة، برد عليكِ – يا إلهي كمْ رغبتُ بالدّخول، أردْتُ أنْ أفتحَ معهُ حديثاً مهما كان نَوعُهُ، أنْ أجلِسَ في الدّاخلِ حيثُ حرارةُ ماكينةِ القهوةِ ورائحتِها ولكنْ من شدّةِ خَدَرِي لم يتمكّن دِمَاغي من التّفكيرِ وترَكَ مُهمّةَ الردِّ لقسمِ (اللاّوعي الموروث) المغروسِ في ذهنِ كُلِّ إنسانٍ فينا منذُ الطّفولة ” يُلجأُ لهُ في مواقفَ كهذهِ كي لا يَصْرِفَ المزيدَ من الحُريراتِ في هذا الطّقسِ اللّعين”، وقلتُ له : شُكراً لا داعي … هي دقائقُ معدودةٌ فقط باقيةٌ من الانتظار

جاءَ والدي أخيراً, وصعدْتُ أنا : وقلتُ لهُ .حبّاب هالبيّاع، ضيّفني قهوة لأنّو شافني ناطرة لحالي – : فجاء الردُّ أسرع من الصّدى . ! إي عم يتحشّر فيكي هاد, ماعرفتي توقفي غير هون

(في هذهِ اللّحظة كانتْ السّيارةُ تُقلِع وكنتُ أنظرُ إلى البائعِ من الشُّباكِ، مُبتسمةً ومُستغربة ( لم أرغبْ حتّى في مُجادلةِ أبي عن أحكامِه المُسبَقة كعادَتِي .بابتسامةٍ واثقةً بأنّه فهِمَهَا كما أردتُهُ أنْ يفهَمَها :  شُكراً لك


وصلْنَا إلى المنزلِ، هرعْتُ إلى مِدفأةِ “المازوت” أكادُ أحضُنُها من شدّة الشّوقِ للدّفئ، أمسكْتُ بهاتفيِ على الفَور، و طلبْتُ ذلك الاسم .أردتُ الاطمئنان فحسبْ .. نسيْتُ أنّ العاصِفَة اجتاحَتْ مدينتي فقط وأنّه لا داعيَ لأطئمنَّ على مَنْ هُم خارجها : وفي سَهْوةِ نسياني تلكْ، جاءَنِي الردّ

الرّقم الّذي تُحاول الاتّصالَ بهِ مشغول، أو خارج نطاق الذّاكرة، يُرجَى عدم مُعاوَدةُ الاتّصالِ لاحقاً

صديقي الآخر

صديقي الآخر، في الطرف المقابل من العالم، صديقي الغريب

لم تحدث الصدفة التي ستجمعني بك بعد إلا أنني وددت استباقها وكتابة بضع كلمات أخبرك بها عن حالي.. اكتب لك الآن على ضوءٍ خافت وموسيقى شرقية محببة إلى قلبي تكاد تبكي لفرط حنينها، الضوء خافت لأن التيار الكهربائي في بلدتي مقطوع، لا يوجد أضواء إلاّ ما ندر، واعتدنا هنا على إنجاز أعمالنا بعيدً عن الضوء، أصبح النور شيئاً رفاهياً ومكمّلاً.. أعاني منذ فترة من احتقان عاطفي، تتزاحم أفكاري ومشاعري في أروقة صدري الهشة، ويستعصي عليها أن تخرج للعلن.. هناك شيءٌ ما، سرٌّ كبير في هذا المكان الذي نعيش فيه يحرّض لديك القدرة على إنتاج الأفكار وبغزارة، فلا تغدو الفكرة شيئا يُلتقط عن قارعة الطريق أبداً، بل تصبح انت خلاّقاً وبصبح لديك شيء انت خلقته وكونته بنفسك، لكن المصيبة ليست هنا يا صديقي، المصيبة أنك هنا لا تمتلك أي وسيلة لتُخرج بها هذه الأفكار، فتحتقن في داخلك إلى أن تتعفن وتثقل صدرك وقلبك، وتجثم على ظهرك وزرا وثقلا لا يقاس ولا يحتمل..  ياصديقي كم اشتقت إليك ولعالمك، اشتقت لأرى مكانك، هل سأتمكن من العيش في مكانك إن جئت لزيارتكم? أم أن هذا المكان ليس مخصصا لأمثالنا ممن يقتاتون على الحنين، ويتحدثون عن الموت والسفر، ويحلمون بأن افكارهم قد خرجت للتوّ من سجنها وتحررت ? هل أستطيع أن أبني منزلاً صغيراً وأضع على نافذتي قرميداً وبضع زهرات ملونة، أو أن أمارس الرياضةصباحاً مثلاً واصطحب حيواني الأليف في نزهة للحديقة المجاورة ? لا أقدر أن أتخيل حياتكم ياصديقي إنها صعبة ومرعبة بعض الشيء، فيها من السعادة قدرٌ لم نعتد هنا على امتلاكه، فيها شيء من الإسراف.. تعال انت إلينا هنا، ستعتاد علي وضع الكهرباء قريبا كما اعتدنا، أما الماء فهو أقل انقطاعا لأكون صريحة معك.. لكن هناك مشكلة أخشى أن تصطدم بها، فهنا لا مكان للأفعال يا صديقي، نحن هنا نقوم بالتخطيط فقط، نخطط للحب ونخطط للرحلات، نخطط لمستقبلنا، نحنا هنا نمارس التخطيط للحياة
أما انتم فحياتكم مخطط لها منذ الولادة وليس عليكم سوى التنفيذ والتمتع بالإنتاج، أخشى أنك لن تجد معنى لحياتك هنا بيننا، لا أعرف.. اترك الحكم في هذا الأمر لك وحدك

صديقتك المنتظرة

تموز/2017/ سوريا

في انتظار ميّ

أخبرتني أنّ لديها توقاً شرساً للحروف والكلمات، كانت تتكلم كمن ينتظر ولادةً ما، لو لم أكُن أعلم لشككْت أنّ شعوراً كهذا يخالج فتاةً على وشك أن تصبح أُمّاً.. لكنني كنت أعرف

كنت أبوح لها.. يااا ميّ.. اشتقتُ للورقة والقلم، لماذا يُقدّر لنا نحن غريبو الأطوار أن نشتاق لأقرب الأشياء إلينا على الدوام، وكأنّه نوعٌ من طقوسٍ مازوشية نُمارسها بحق أنفسنا!
كانت هي توّاقة للكتابة عن مشاعرَ قد لا تهمّ الناس، حسناً، سأكون أكثر وقاحةً ومحاكاةً لذاتي بالتعبير وسأغيّر قولي..
كانت هي توّاقة للكتابة عن مشاعرَ قد لا تهمّ المغفلين من الناس، فمن هذا المغفّل الذي سيهمه التّحول الجذري الذي خالج ميّ? ومن ذاك المغفل الآخر الذي سيعنيه ما أقوله الآن عن ميّ وعن أشواقنا المبعثرة هذه

قلتُ لها أن تكتب، كنت مشتاقةً للقراءة.. للاستماع.. هناك مخلوقٌ جديد تمّ الترحيب المسبق به على مدى تسعةِ اشهر!
قالت لي : لا يمكنكِ قول هذا ببساطة هكذا.. عندما تكتبين أنتِ.. سأكتبْ

سأكتب اليوم رغم أن ملاك الكتابة خاصمني منذ زمنٍ وحجب عني كلّ مساعداته وحبسني في غرفةٍ صغيرة تنهشني فئرانُ صمتِها ليلَ نهار
سأكتب عن رفيقةِ المواسم، عنها ولها.. عرفتها عازبة، ثم قابلتها في يوم التّحضير لخطبتها، وآخر لقاءٍ كان منذ بضعة أشهر.. لم يكن تَيْم قد أثبت بعدُ وجوده في رَحمِها، كان لقاءً دمشقياً سريعاً، وكانت الأخبار تتلاهث لتحظى بفرصة القول

سأكتب لأنني أريد منك أن تكتبي، أريد أن أعرف أسراراً عن الأمومة، أسراراً جديدةً تنسجها حروفك وتبوح بها دموعك السّرية.. اشتقتُ لكِ يا رفيقةَ المواسم ويا شبيهة الدّروب

ثمّة لعنة ما في هذا الشوق الذي يتملّكني لأُمسك بقطعة الفحم واحفّها بعنفٍ على بياض الورقة، قلتها وسأقولها دوماً، لم أعرف على مدى سنين حياتي ماهو أكثر إرباكاً من الورقة البيضاء

أفكر في تيم، أفكر كيف تفكّرين انتِ به، انت المسمّاة ميّ.. كيف تفكرين بهذا المخلوق الذي اجتاح ورقة بيضاء جديدة من عمرك ليشخبط عليها بيديه المنمنمتين بكلّ جرأةٍ ودونما تردّد.. يا إلهي.. لو امتلكنا جرٱة هؤلاء الأطفال لَصنعنا المعجزات

هل آن الأوان لنترك صناعة المعجزات لهم !..  هل آن أوان التّنحي جانباً والوقوف بوقارٍ وحُلُم

لا تقفي جانباً يا ميّ.. ارفعيه عالياً وارقُصي تحت ظلّه.. عالياً فوق عشّ الوقواق.. ارقُصي وليَقلْ العالم من حولك.. انظروا إلى ذلك المجنون الذي يحلّق عالياً.. إنّه ابنُ ميّ